100%
استشارات قانونية مؤسسية · عمّان، الأردن
NASHASHIBI LAW OFFICE · LEGAL COUNSEL

رؤية قانونية دقيقة. قرار أكثر ثقة.

نمثل الأفراد والشركات بمنهج يجمع التحليل القانوني العميق، الوضوح في التواصل، والاهتمام الحقيقي بنتيجة كل ملف.

تقاضٍ وتحكيمشركات وأعمالعقود واتفاقياتعقارات واستثماراستشارات دولية
1936منذ عام 1936

إساءة الائتمان الرقمية في الأردن: الوجه المستتر لجريمة تقليدية

0مشاهدة
كتبه : عصمت النشاشيبي - خبير قانوني واداري 


مقدمة
​في عالم تسود فيه التعاملات الرقمية وتحل فيه البيانات محل العقود الورقية والمفاتيح، لم تعد جريمة "إساءة الائتمان" مجرد فعل مادي يتمثل في الاحتفاظ بمال أو شيء مادي على خلاف ما اتُفق عليه. بل أصبحت تتسلل بخفة داخل الحسابات البنكية الإلكترونية، والمنصات الرقمية، والمحافظ المشفّرة.
فهل تكفي النصوص التقليدية لتطويق هذه الجريمة؟ وهل أدرك المشرّع الأردني أن الأمانة اليوم لا تُسلَّم باليد فقط، بل قد تُمنح على شكل بيانات رقمية، تُختزل في بريد إلكتروني أو كود دخول؟

​النص القانوني بين الواقع والتحوّل
​
نقطة الانطلاق تظل في المادة (422) من قانون العقوبات الأردني، والتي تُعد الأساس في تعريف إساءة الائتمان. وقد ورد فيها:

​"كل من سُلِّم إليه على سبيل الأمانة أو الوكالة ولأجل الإبراز والإعادة أو لأجل الاستعمال على صورة معينة أو لأجل الحفظ أو لإجراء عمل - بأجر أو بدون أجر - ما كان لغيره من أموال ونقود وأشياء وأي سند يتضمن تعهداً أو إبراء، وبالجملة كل من وجد في يده شيء من هذا القبيل فكتمه أو بدّله أو تصرف به تصرف المالك أو استهلكه أو أقدم على أي فعل يُعد تعدياً أو امتنع عن تسليمه لمن يلزم تسليمه إليه، يُعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين وبالغرامة من عشرة دنانير إلى مئة دينار."

النص يشير بوضوح إلى الأمانة كعلاقة قانونية ينشأ عنها التزام، ويعاقب من يخلّ بها. إلا أن ما يُلاحظ أن هذا النص ظل أسيرًا للمفاهيم المادية: أموال، نقود، أشياء، سندات... دون أن يتطرق صراحةً إلى "البيانات الرقمية" أو "الوسائط الإلكترونية"، وهو ما يفتح باب التأويل، ويطرح تحديًا قانونيًا أمام المحاكم عند التعامل مع وقائع تجري بالكامل داخل عالم افتراضي.

​حين تُسلَّم الأمانة رقمياً
اليوم، لم يعد من النادر أن يسلّم مدير مالي صلاحية استخدام بوابة الدفع الرقمية إلى أحد الموظفين لإجراء عمليات محددة، ثم يفاجأ بتحويلات خارجية لصالح الفاعل. أو أن تمنح شركة كلمة مرور لحسابها التجاري على موقع إلكتروني لموظف تسويق، فيمتنع لاحقاً عن تسليمها بعد انتهاء خدمته.
فهل تعتبر هذه الأفعال إساءة ائتمان؟ وهل تصلح المادة 422 لتجريمها رغم غياب العنصر المادي الملموس؟
الإجابة ليست واضحة دائمًا، لكن المشرّع الأردني لم يترك الأمر دون غطاء، بل وضع في قانون الجرائم الإلكترونية لسنة 2023 عدة نصوص تمكّن القضاء من تكييف هذه الوقائع.

​تقاطعات تشريعية: عندما تتكلم المادة 10 بلغة رقمية
​
من أبرز النصوص التي تقترب من وصف إساءة الائتمان الرقمية، المادة (10) من قانون الجرائم الإلكترونية، والتي جاء فيها:


​أ- "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (25000) خمسة وعشرين ألف دينار كل من استولى لنفسه أو لغيره بغير حق على أي مال منقول أو غير منقول أو وثيقة تتضمن تعهداً أو إبراء، وذلك بالاستعانة بأي طريقة احتيالية أو باتخاذ اسم كاذب أو انتحال صفة غير صحيحة عن طريق الشبكة المعلوماتية أو نظام المعلومات أو إحدى وسائل تقنية المعلومات."

​في ظاهرها، المادة 10 تختص بالاحتيال الإلكتروني، لكنها في المضمون تلامس حالات إساءة الائتمان الرقمية حين يُستخدم غطاء احتيالي إلكتروني للاستيلاء على ما تم تسليمه أصلاً بسبب علاقة ثقة.
لكن يبقى الفرق الجوهري أن المادة 10 تفترض وجود حيلة أو انتحال صفة، بينما المادة 422 تفترض أن المال سُلِّم طواعية نتيجة علاقة قانونية مشروعة.

​نصوص أخرى تسند التكييف إلى جانب المادة 10، نجد في المادة (8/ج) من القانون ذاته ما يعزز الحماية من إساءة الأمانة الرقمية:

​"إذا نجم عن الأفعال... الاستيلاء لنفسه أو لغيره على مال مملوك للغير أو الاستفادة مما تتيحه من خدمات، فتكون العقوبة الحبس مدة ثلاث سنوات وغرامة لا تقل عن (10000) عشرة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار."

​وهنا، يكون الفعل مجرّماً حتى وإن لم يتحقق الاحتيال، بل يكفي أن يُساء استخدام الصلاحيات أو البيانات المؤتمن عليها، خاصة إذا كانت تتعلق بوسائل الدفع الإلكتروني.
لكن الأهم من كل ذلك هو المادة (26) من القانون، والتي جاءت بصيغة شاملة:

​"كل من ارتكب أي جريمة لم يرد عليها نص في هذا القانون ومعاقب عليها بموجب أي تشريع باستخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات... يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في ذلك التشريع."

الأركان القانونية لإثبات إساءة الائتمان الرقمية
1. تسليم مشروع: أن تكون هناك علاقة قانونية (عقد، وكالة، وظيفة) تم على أساسها تسليم وسيلة إلكترونية أو صلاحية رقمية.
2. عنصر الثقة: أن يتم التسليم طوعاً على سبيل الأمانة.
3. تصرف غير مشروع: أن يقوم المستلم باستخدام الأداة أو المعلومة أو المال على خلاف الغرض المحدد أو يمتنع عن إعادته.
4. النية الإجرامية: أن يتوافر قصد الاستئثار أو التصرف كما لو كان المالك.

بين الواقع والتشريع: ملاحظات واجبة التنويه
*صعوبة الإثبات: إثبات النية الجرمية في الفضاء الرقمي يحتاج إلى أدلة رقمية متخصصة، وتحقيق فني محترف.
* الحاجة للتحديث التشريعي: آن الأوان لتحديث المادة 422 لتُدرج تحتها الأمانات الرقمية صراحة، وإلا فستظل بعض الوقائع في المنطقة الرمادية.

ختاما
​ليست كل خيانة أمانة تُرتكب بالأوراق والأموال النقدية. في زمن المعاملات الرقمية، قد تُرتكب إساءة الائتمان بضغطة زر، أو بمعلومة مفاتيحها في بريد إلكتروني. وقد لا يُرى الفاعل، لكن أثر فعله واضح في حساب بنكي ناقص، أو بيانات محذوفة، أو دومين محجوز.
​
🎯 خيانة الأمانة لم تعد ورقية فقط!
إذا تم الاستيلاء على أموالك أو بياناتك أو حساباتك الإلكترونية بعد أن سلّمتها بثقة – فأنت ضحية إساءة ائتمان رقمية.
📌 فريقنا القانوني متخصص في ملاحقة هذا النوع من القضايا استنادًا إلى المادة 422 من قانون العقوبات وقانون الجرائم الإلكترونية.

النقاش 0

كن أول من يشارك رأيه في هذه القصة.