100%
استشارات قانونية مؤسسية · عمّان، الأردن
NASHASHIBI LAW OFFICE · LEGAL COUNSEL

رؤية قانونية دقيقة. قرار أكثر ثقة.

نمثل الأفراد والشركات بمنهج يجمع التحليل القانوني العميق، الوضوح في التواصل، والاهتمام الحقيقي بنتيجة كل ملف.

تقاضٍ وتحكيمشركات وأعمالعقود واتفاقياتعقارات واستثماراستشارات دولية
1936منذ عام 1936

بين الحرية والانحراف: كيف تتشكل الجريمة؟

2مشاهدة
كتبه: الدكتورة مادلين عبد الهادي - خبرة السلوك الوظيفي الانساني والحسي 

 " في المساحة التي يشعر فيها الإنسان أنه حر تمامًا… تبدأ أحيانًا أولى ملامح الانحراف دون أن يلاحظ ذلك. " 

أولًا: الحرية كمدخل لفهم السلوك الإنساني
تُعد الحرية من المفاهيم المركزية في بناء المجتمعات الحديثة، فهي الإطار الذي يتحرك داخله الإنسان ليعبّر عن ذاته ويتخذ قراراته. غير أن هذه الحرية، على اتساعها، ليست مفهومًا مطلقًا، بل ترتبط دائمًا بمنظومة من القيم والمعايير التي تنظّم استخدامها. وفي هذا التوازن الدقيق بين الحرية والضبط الاجتماعي، تتشكل ملامح السلوك الإنساني، سواء كان سلوكًا منضبطًا أو منحرفًا.
تشير الأدبيات الحديثة في علم الإجرام إلى أن الإنسان لا يتعامل مع الحرية بوصفها مفهومًا قانونيًا مجردًا، بل بوصفها تجربة شعورية مرتبطة بالإمكانية والقدرة. فكلما اتسعت مساحة الفعل أمامه، ازداد شعوره بالاستقلالية، لكن هذا الاتساع قد يؤدي في بعض الحالات إلى تراجع إدراك الحدود، خصوصًا في غياب الوعي الكافي أو التوجيه الاجتماعي.

ثانيًا: من السلوك المشروع إلى الانحراف التدريجي
التحول من السلوك الطبيعي إلى السلوك المنحرف لا يحدث بشكل مفاجئ، بل غالبًا ما يكون نتيجة مسار تدريجي يتخلله تبرير داخلي وتكيّف نفسي. يبدأ هذا المسار بفكرة بسيطة، قد تكون محاولة لتجاوز قاعدة صغيرة أو اختبار حد معين، ثم يتطور مع الوقت إلى نمط سلوكي أكثر وضوحًا.
تشير دراسات American Society of Criminology إلى أن الانحراف السلوكي لا يرتبط دائمًا بنوايا عدوانية، بل قد ينشأ من محاولات فردية لتحقيق أهداف مشروعة بوسائل بديلة. في هذا السياق، لا يرى الفرد نفسه خارج الإطار الاجتماعي، بل يعتبر أنه يتصرف ضمن حدود مقبولة من وجهة نظره الخاصة.
​الانحراف لا يبدأ برفض القيم، بل بإعادة تفسير الوسائل المستخدمة لتحقيقها.
هذا الفهم يسلط الضوء على الطبيعة المركبة للجريمة، باعتبارها نتيجة تفاعل بين الدوافع الشخصية والتصورات الذاتية للواقع.

ثالثًا: العوامل الاجتماعية ودورها في تشكيل الجريمة
لا يمكن فهم الجريمة بمعزل عن السياق الاجتماعي الذي ينشأ فيه الفرد. فالبيئة المحيطة، بما تتضمنه من فرص وضغوط وتوقعات، تلعب دورًا حاسمًا في توجيه السلوك.
يُعد طرح Robert Merton من أبرز الإسهامات في هذا المجال، حيث يوضح أن التفاوت بين الأهداف الاجتماعية والوسائل المتاحة لتحقيقها قد يدفع بعض الأفراد إلى تبني سلوكيات غير تقليدية. في هذه الحالة، لا يكون الدافع هو الخروج عن النظام، بل محاولة التكيف معه بطرق مختلفة.
​عندما تتسع الفجوة بين الطموح والقدرة، يبحث الفرد عن بدائل تحقق له التوازن النفسي والاجتماعي.
في المجتمعات التي تشهد تحولات متسارعة، يصبح هذا التوتر أكثر وضوحًا، حيث تتغير المعايير بسرعة، بينما يحتاج الأفراد إلى وقت أطول لاستيعابها.

رابعًا: البعد النفسي… كيف يتشكل التبرير الداخلي؟
إلى جانب العوامل الاجتماعية، يلعب البعد النفسي دورًا محوريًا في تفسير السلوك الإجرامي. فالإنسان بطبيعته يسعى إلى الحفاظ على صورة إيجابية عن ذاته، حتى في الحالات التي يقوم فيها بسلوكيات مخالفة.
تشير تقارير American Psychological Association إلى أن الأفراد يستخدمون آليات نفسية معقدة لإعادة تفسير أفعالهم، بحيث تبدو متوافقة مع قيمهم الشخصية. هذه العملية، التي تُعرف بالتبرير الأخلاقي، تساهم في تقليل الشعور بالذنب وتعزز الاستمرار في السلوك.
​السلوك الإجرامي غالبًا ما يُسبق بعملية عقلية تعيد تعريف الفعل بحيث يصبح مقبولًا داخليًا.
هذا التفسير يوضح أن الجريمة ليست مجرد فعل خارجي، بل هي أيضًا عملية داخلية تبدأ في التفكير قبل أن تظهر في الواقع.

خامسًا: الجريمة في العصر الرقمي
​مع تطور التكنولوجيا، برزت أنماط جديدة من السلوك الإجرامي ترتبط باستخدام الوسائل الرقمية. في هذه البيئة، تتسع مساحة الحرية بشكل كبير، حيث يمكن للفرد أن يتفاعل ويعبّر وينشر المحتوى بسهولة وسرعة.
تشير أبحاث Oxford Internet Institute إلى أن البيئة الرقمية تُحدث نوعًا من “الانفصال النفسي” بين الفعل ونتيجته، مما قد يقلل من الإحساس بالمسؤولية. هذا الانفصال لا يعني غياب الوعي، بل يشير إلى اختلاف طبيعة الإدراك في الفضاء الإلكتروني مقارنة بالواقع المباشر.
​التفاعل عبر الوسائط الرقمية يقلل من إدراك العواقب الفورية، ما يؤثر على اتخاذ القرار.
وهذا ما يفسر تنوع أشكال الجريمة الرقمية، التي تتراوح بين نشر المعلومات غير الدقيقة وانتهاك الخصوصية، وصولًا إلى أنماط أكثر تعقيدًا من السلوك الإجرامي.

سادسًا: التحولات الاجتماعية وتأثيرها على السلوك
في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، تتعرض القيم والمعايير لإعادة تشكيل مستمرة. هذا التحول قد يؤدي إلى حالة من عدم الوضوح، حيث يجد الفرد نفسه أمام خيارات متعددة دون إطار ثابت.
تشير تقارير United Nations Office on Drugs and Crime إلى أن فترات التحول الاجتماعي غالبًا ما ترتبط بتغير في أنماط الجريمة، ليس بسبب ضعف الضبط، بل نتيجة تغير التوقعات والسلوكيات.
​عندما تتغير القواعد بسرعة، يحتاج الأفراد إلى وقت لإعادة بناء فهمهم لها.
هذا الواقع يعزز أهمية التوعية المستمرة، باعتبارها أداة أساسية للحفاظ على التوازن بين الحرية والمسؤولية.

سابعًا: التوازن بين الحرية والانضباط
في ضوء ما سبق، يتضح أن العلاقة بين الحرية والانحراف ليست علاقة تضاد مطلق، بل علاقة توازن. فالحرية تتيح للفرد مساحة للتطور، بينما يوفر الانضباط الإطار الذي يحافظ على استقرار المجتمع.
إن فهم هذا التوازن لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يشمل أيضًا الوعي الفردي والمسؤولية الذاتية. فكل قرار يتخذه الإنسان يعكس هذا التفاعل بين ما يستطيع فعله وما ينبغي عليه فعله.

الخاتمة: الجريمة كعملية تشكل تدريجي
الجريمة، في ضوء علم الإجرام الحديث، ليست حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار يتشكل عبر الزمن. تبدأ بفكرة، تتطور إلى تبرير، ثم تتحول إلى سلوك. وفي كل مرحلة من هذه المراحل، تلعب الحرية دورًا أساسيًا، سواء كمساحة للاختيار أو كاختبار للحدود.
​وفي هذا الإطار، يبقى الوعي هو العامل الأكثر تأثيرًا، لأنه يشكل الخط الفاصل بين الاستخدام المسؤول للحرية والانزلاق غير المقصود نحو الانحراف.

الى ان القاكم في مقال جديد 

النقاش 0

كن أول من يشارك رأيه في هذه القصة.