كتبه : سارة الأسمر - خبيرة ادارية
مقدمة
في العقود الأخيرة أصبحت مؤشرات الأداء الرئيسية (Key Performance Indicators – KPI) إحدى الأدوات الأكثر انتشارًا في المؤسسات والشركات . فهي تسمح للإدارة بقياس التقدم، وتقييم الإنتاجية، ومقارنة الأداء بين الفِرق والأقسام.
لكن الخطورة أن هذه الأداة، إذا لم تُصمم وتُدار بحكمة، قد تتحول إلى فخ إداري يقود إلى سلوكيات منحرفة عن الهدف الاستراتيجي. الأمر يشبه قيادة السيارة عبر التركيز على عداد السرعة دون النظر إلى الطريق: الأرقام تتحرك، لكن الوجهة قد تضيع.
أولًا: إشكالية انفصال المؤشر عن الغاية
من أبرز المخاطر أن يقيس المؤشر المخرجات الشكلية بدلًا من النتائج الجوهرية.
🔹 مثال عملي: في اطفاء الحرائق مثلا، إذا كان المؤشر هو "عدد الخراطيم التي تم فتحها"، فسيسعى رجال الإطفاء لزيادة عدد الخراطيم المفتوحة حتى في حرائق صغيرة. بينما الهدف الاستراتيجي هو "عدد الحرائق التي أُخمدت بنجاح".
بيرنارد مار (2020): "المؤشرات التي لا ترتبط بالنتيجة النهائية تخلق أنشطة بلا قيمة وتضيع الجهد في المكان الخطأ."
ثانيًا: مؤشرات تدفع لسلوكيات مضرة
المكافآت المبنية على KPI قد تؤدي إلى سلوكيات معاكسة للجودة.
🔹 قطاع الصحة: إذا كان الهدف هو "زيادة عدد المرضى الذين تتم معاينتهم يوميًا"، فسيميل الأطباء لتقليل وقت التشخيص لصالح العدد.
British Medical Journal (2019): "ضغط الوقت الناتج عن مؤشرات الأداء المرتبطة بالكمية يزيد من احتمالية الأخطاء الطبية بنسبة 23%."
ثالثًا: اللعب بالنظام (Gaming the System)
عندما تُصبح الأرقام هي الحكم الوحيد، يُبدع الموظفون في تجميل المؤشرات بدل تحسين الواقع.
🔹 قطاع التعليم: إذا قيس أداء المدارس بنسبة نجاح الطلاب فقط، فإن احتمالية تسريب الامتحانات أو رفع العلامات ترتفع بشكل ملحوظ.
Journal of Educational Measurement (2020): "المؤشرات عالية المخاطر تدفع المؤسسات التعليمية إلى التعامل مع التقييم كأداة للعب بالنظام بدل تحسين مستوى التعليم."
🔹 القطاع المصرفي: بعض البنوك التي تقيّم موظفيها بعدد القروض الممنوحة واجهت لاحقًا أزمات تعثر واسعة، لأن الموظفين كانوا يمنحون قروضًا غير مدروسة لتحقيق أرقام مؤشراتهم.
رابعًا: فقدان النظرة الشمولية
المؤشر المنعزل لا يروي القصة كاملة.
🔹 الصناعة: إذا كان KPI هو "عدد الوحدات المنتجة"، فقد يتجاهل المصنع معدلات المرتجعات بسبب العيوب.
🔹 الخدمات: في مراكز الاتصال (Call Centers)، إذا كان التركيز على "مدة المكالمة"، فسيحاول الموظف إنهاء المكالمة بسرعة، لكن معدل "حل المشكلة من أول اتصال" (First Call Resolution) سينهار.
رابعًا: فقدان النظرة الشمولية
المؤشر المنعزل لا يروي القصة كاملة.
🔹 الصناعة: إذا كان KPI هو "عدد الوحدات المنتجة"، فقد يتجاهل المصنع معدلات المرتجعات بسبب العيوب.
🔹 الخدمات: في مراكز الاتصال (Call Centers)، إذا كان التركيز على "مدة المكالمة"، فسيحاول الموظف إنهاء المكالمة بسرعة، لكن معدل "حل المشكلة من أول اتصال" (First Call Resolution) سينهار.
Harvard Business Review (2021): نسبة 86% من العملاء يعتبرون حل المشكلة من أول اتصال أهم من سرعة الرد."
خامسًا: دراسة حالة – فضيحة Wells Fargo
إحدى أبرز الأمثلة العالمية على فشل تصميم مؤشرات الأداء هي ما حدث في بنك Wells Fargo الأمريكي عام 2016.
- كان KPI الأساسي للموظفين هو عدد الحسابات البنكية الجديدة.
- ولأن المكافآت والترقيات ارتبطت مباشرة بهذا المؤشر، بدأ الموظفون بفتح حسابات وهمية دون علم العملاء.
- النتيجة: أكثر من مليوني حساب مزيف، وغرامات مالية تجاوزت 3 مليارات دولار، بالإضافة إلى خسارة السمعة (CNN Business, 2020).
CNN Business (2020): "تركّز البنك على مؤشرات النمو العددي بدلاً من القيمة الحقيقية دفع الموظفين إلى ممارسات غير قانونية أودت بسمعة المؤسسة."
سادسًا: غياب التوازن بين الكم والكيف
التركيز على الكم وحده يُضعف جودة المخرجات، والعكس صحيح.
ويليام إدواردز ديمينغ (1986): "إذا ركزت على الأرقام وحدها، فستحصل على أرقام، لكنك لن تحصل على تحسين."
توصيات لتصميم KPI فعّال
1. ربط المؤشر بالغاية الاستراتيجية: لا يكفي أن نقيس الأنشطة، بل يجب أن نقيس أثرها.
2. المزج بين الكم والكيف: عدد المرضى + نسبة الشفاء، عدد المعاملات + جودة الإنجاز.
3. تعدد المؤشرات: الجمع بين 3–5 مؤشرات متوازنة يمنع التلاعب بمؤشر واحد.
4. المراجعة الدورية: مؤشرات اليوم قد تصبح عقيمة غدًا إذا تغيّر السياق.
5. ثقافة النزاهة: غرس وعي بأن المؤشرات وسيلة للتحسين وليست غاية للتلاعب.
ختاما
الاعتماد المفرط على KPI دون إدراك حدوده قد يُحول المؤسسات إلى كيانات تسعى وراء الأرقام بدل الأهداف. وكما اشار بيتر دركر: "ما يتم قياسه يُدار، لكن ليس كل ما يُدار يستحق أن يُقاس."
الأرقام مهمة، نعم. لكن الأهم أن نتذكر: النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الخراطيم المفتوحة، بل بعدد الحرائق التي أُخمدت فعليًا.
الى ان القاكم في مقال اداري جديد



النقاش 0
كن أول من يشارك رأيه في هذه القصة.