كتبه: عصمت النشاشيبي - خبير قانوني واداري
مقدمة
لم يعد التنمر والتحرش مقصورين على ساحات المدارس أو أماكن العمل، بل وجدا طريقهما إلى العالم الرقمي عبر شبكات التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة. او ما يُعرف بـ التنمر الإلكتروني (Cyberbullying) والتحرش الرقمي (Online Harassment) الذي بات من أكثر أشكال الجرائم الإلكترونية مساسًا بالحياة اليومية للأفراد، خصوصًا النساء والأطفال.
وفق تقرير UNICEF (2022)، فإن واحدًا من كل ثلاثة مراهقين حول العالم تعرض لشكل من أشكال التنمر عبر الإنترنت، بينما أفادت دراسة نشرت في Journal of Adolescent Health أن التنمر الرقمي يضاعف احتمال إصابة الضحايا بالاكتئاب والانتحار.
أولاً: صور التنمر والتحرش الرقمي
تتنوع مظاهر التنمر الإلكتروني والتحرش الرقمي، فهي لا تقتصر على insult بسيط أو تعليق مسيء، بل تشمل أنماطًا متعددة من الاعتداءات الرقمية التي تستهدف الأفراد على مستويات شخصية ونفسية واجتماعية ومنها :
1. التشهير عبر وسائل التواصل
يقوم المعتدي بنشر صور أو مقاطع خاصة بالضحية دون إذن، أو إعادة تداول محتوى شخصي في سياقات مسيئة. وفي كثير من الحالات تُستخدم الصور المعدلة بتقنيات Deepfake للإضرار بالسمعة. على سبيل المثال، نشرت BBC News تقريرًا عن حالات تشهير باستخدام صور مزيفة ألحقت أضرارًا جسيمة بمكانة الضحايا في المجتمع.اقرأ مقالنا ( الوجه المزيف )
2.الرسائل المسيئة والمتكررة (Cyberstalking)
يتلقى الضحية رسائل تتضمن تهديدات أو سبابًا عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات المراسلة، وبصورة متكررة تجعل الشخص يعيش في حالة دائمة من الخوف. تشير دراسة Pew Research Center (2021) إلى أن 41% من البالغين في الولايات المتحدة تعرضوا لشكل من أشكال المضايقات الرقمية، أبرزها الرسائل المسيئة.
3.التحرش الجنسي الرقمي
وهو أحد أخطر أشكال الاعتداء الرقمي، حيث يُرسل الجاني صورًا أو مقاطع ذات طبيعة جنسية غير مرغوبة، أو يوجه تعليقات مسيئة ذات طابع جنسي. تقرير European Institute for Gender Equality (2020) أوضح أن النساء يتعرضن لهذا النوع من التحرش أكثر من غيرهن، وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى الانسحاب من المنصات الرقمية تجنبًا للمضايقات. اقرأ مقالنا ( هتك العرض الرقمي).
4.الانتحال الرقمي (Impersonation)
يقوم المعتدي بإنشاء حسابات وهمية تحمل اسم وصور الضحية، ثم يستخدمها لنشر محتوى مسيء أو لتوريطها في قضايا غير أخلاقية. مثل هذه الممارسات شائعة على Facebook وInstagram، وقد ذكرت The Guardian أن الانتحال الرقمي بات أداة شائعة للتشهير السياسي والاجتماعي.
5.الإقصاء الإلكتروني (Exclusion)
حيث يتعمد المعتدي استبعاد الضحية من المجموعات أو الدردشات الجماعية، أو يتجاهله عمدًا ضمن بيئة رقمية مشتركة. ورغم بساطة الفعل ظاهريًا، إلا أنه يولّد شعورًا عميقًا بالعزلة والرفض الاجتماعي، خاصة بين المراهقين.
6.الهجمات الجماعية (Dogpiling)
تتخذ شكل هجوم منسق تشارك فيه مجموعات كبيرة لإغراق حساب الضحية بالشتائم والتهديدات. دراسة نشرت في Journal of Interpersonal Violence (2022) وصفت هذه الممارسات بأنها تسحق الضحية نفسيا .
تؤكد مجلة Cyberpsychology, Behavior, and Social Networking أن الأثر النفسي للتحرش الرقمي لا يقل خطورة عن الاعتداء الجسدي، بل يتضاعف مع استمرارية الانتهاك وصعوبة الهروب منه، خصوصًا أن المنصات الرقمية ترافق الفرد في منزله وغرفته الخاصة، مما يجعل الضحية محاصرة حتى في أكثر المساحات خصوصية.
ثانيا: قراءة في قانون الجرائم الإلكترونية الأردني 2023
القانون قد اشار بالمواد:
- المادة (15): تعاقب على نشر أخبار كاذبة أو ذم وقدح عبر الإنترنت.
- المادة (16): تجرّم اغتيال الشخصية بنسبة أفعال غير صحيحة لشخص.
- المادة (18): تفرض عقوبة على التهديد والابتزاز عبر الشبكة.
- المادة (20): تحظر نشر صور أو تسجيلات خاصة بقصد التشهير أو الإساءة.
"التنمر الإلكتروني والتحرش الرقمي لا يتركان كدمات على الجسد، لكنهما يتركان ندوبًا عميقة على الروح." – UNICEF Report 2022
ثالثا: التحديات المستقبلية
1.التقنيات الجديدة: صعود تقنيات مثل الواقع الافتراضي (VR) والميتافيرس سيفتح مساحات جديدة للتحرش الرقمي لم يغطها التشريع بعد.
2.الأدلة الرقمية: جمع الأدلة وحفظها بشكل يضمن قبولها قضائيًا ما يزال تحديًا، خاصة في الجرائم التي تتم عبر حسابات وهمية.
3.الجرائم العابرة للحدود: منصات التواصل عابرة للدول، مما يستلزم آليات دولية أكثر تنسيقًا.
ختاما
يمثل التنمر الإلكتروني والتحرش الرقمي امتدادًا لأنماط سلوك قديمة في بيئة جديدة أكثر تعقيدًا وتأثيرًا. ومع تنامي الاعتماد على الفضاء الرقمي في التواصل والعمل والتعليم، تتزايد أهمية فهم هذه الظواهر بوصفها تحديات اجتماعية وقانونية وتقنية في آن واحد. فالممارسات المسيئة عبر الإنترنت تترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، وتتطلب استجابة متعددة الأبعاد تشمل الوعي المجتمعي، والأدوات التقنية، والإطار القانوني الملائم.
إن مقاربة هذه الظواهر بموضوعية تكشف أن المواجهة لا تقتصر على التشريع أو التقنية وحدهما، بل تحتاج إلى توازن يجمع بين التربية الرقمية، وتعزيز ثقافة الاستخدام المسؤول، وتطوير آليات حماية فعالة. بذلك يمكن الحد من الأضرار، وبناء فضاء رقمي أكثر أمانًا واستدامة للجميع.
في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتزداد فيه المخاطر الرقمية، تحتاج المؤسسات والأفراد إلى خبرة تقودهم نحو الأمان الرقمي. مكتب النشاشيبي للمحاماة هو شريكك الأمثل لفهم التحديات الإلكترونية، مواجهة الهجمات السيبرانية، ووضع استراتيجيات حماية تضمن لك الطمأنينة والثقة. بخبرة تجمع بين الجانب التقني والقانوني، نضع حلولًا عملية تحمي بياناتك، سمعتك، ومستقبلك.
الى ان القاكم في مقال قانوني جديد



النقاش 0
كن أول من يشارك رأيه في هذه القصة.