100%
استشارات قانونية مؤسسية · عمّان، الأردن
NASHASHIBI LAW OFFICE · LEGAL COUNSEL

رؤية قانونية دقيقة. قرار أكثر ثقة.

نمثل الأفراد والشركات بمنهج يجمع التحليل القانوني العميق، الوضوح في التواصل، والاهتمام الحقيقي بنتيجة كل ملف.

تقاضٍ وتحكيمشركات وأعمالعقود واتفاقياتعقارات واستثماراستشارات دولية
1936منذ عام 1936

جريمة هتك العرض الإلكتروني في ضوء التشريع الأردني والاجتهاد القضائي

0مشاهدة
كتبه : عصمت النشاشيبي - خبير قانوني واداري

مقدمة 
في ظل تسارع وتيرة التحول الرقمي ودخول التكنولوجيا في أدق تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد الجرائم الجنسية حبيسة الأفعال المادية التقليدية، بل أخذت شكلاً جديدًا وأكثر مراوغة عبر الوسائل الإلكترونية. وضمن هذا الإطار، تبرز جريمة هتك العرض الإلكتروني بوصفها واحدة من أخطر الانتهاكات التي تمس الحياء والكرامة الإنسانية، وتشكّل تحديًا حقيقيًا للقانون الأردني الذي يواجه اليوم مسؤولية موازنة الردع الرقمي مع الضمانات القانونية.

أولًا: مفهوم هتك العرض
عرفت محكمة التمييز الأردنية جريمة هتك العرض بأنها:
(( ...  جريمة هتك العرض تتحقق حينما يرتكب الجاني الأنشطة الجسيمة والفادحة التي تطال عورات المجني عليه ومواطن العفة لديه مما يحرص المرء على ستره وصونه والذود عنه ومما يعد بنظر المجتمع من العورات التي تحاط بكافة أسباب الستر والحماية ، وكذلك تقوم جريمة هتك العرض حينما يقوم الجاني بالأنشطة التي من شأنها المساس بالعاطفة العرضية والحياء العرضي للمجني عليه إذا لا يشترط لقيام هذه الجريمة تحقق الاستطالة المادية على عورات المجني عليه فحسب وإنما من الممكن أن يرتكب من السلوكيات ما يجرح شعور المجني عليه العرضي وما يخدش حياءه وعاطفته العرضية. ) 
وهذا التفسير القضائي المتقدم يفتح الباب واسعًا أمام إعادة النظر في المفاهيم التقليدية للجريمة الجنسية، ويمكّن القانون من التعامل مع الصور والمحتوى الجنسي غير المرغوب فيه، والتحرش اللفظي أو البصري الذي يحدث عبر:
* المكالمات المصورة،
* تسجيلات صوتية،
* أو صور ومقاطع ينشرها الجاني بدون إذن.

ثانيًا: التكييف القانوني وفقًا لقانون الجرائم الإلكترونية الأردني لسنة 2023
رغم أن مصطلح "هتك العرض" لا يُذكر صراحة في القانون، إلا أن عدة مواد تشكّل غطاءً تشريعيًا يجرّم الأفعال الرقمية ذات الطابع الجنسي المسيء، منها:
​المادة (13): الأعمال الإباحية
​3- إذا كانت الغاية من الافعال المنصوص عليها في البند (1) من هذه الفقرة التوجيه أو التحريض على ارتكاب جريمة أو بقصد الاستغلال الجنسي فتلاحق دون الحاجة إلى شكوى وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن (6000) ستة آلاف دينار ولا تزيد على (15000) خمسة عشر ألف دينار.
🔹 تحليل:
​هذه المادة تتيح ملاحقة كل من استعمل الوسائل الإلكترونية بغرض الاستغلال الجنسي بما فيها خدش الحياء العرضي للمجني عليه .

المادة ( 18 ): 
التهديد الإلكتروني​
أ- يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن (3000) ثلاثة آلاف دينار ولا تزيد على ( 6000) ستة آلاف دينار كل من ابتز او هدد شخصاً اخر لحمله على القيام بفعل او الامتناع عنه او للحصول على اي منفعة جراء ذلك من خلال استخدام نظام المعلومات او الشبكة المعلوماتية او موقع الكتروني او منصة تواصل اجتماعي او بأي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات .
ب- تكون العقوبة الاشغال المؤقتة وبغرامة لا تقل عن ( 5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (10000) عشرة آلاف دينار اذا  كان التهديد بارتكاب جريمة او بإسناد امور خادشة للشرف او الاعتبار وكان ذلك مصحوباً بطلب صريح او ضمني للقيام بعمل او الامتناع عنه .
​🔹 تحليل:
تنطبق على حالات تهديد الضحية بنشر صور حساسة، أو رسائل حميمية، وهو سلوك يصنف ضمن "هتك العرض بالوسائل الرقمية".
​
​المادة ( 20 ): ​النشر التشهيري لمحتوى خاص
أ- يعاقب بناء على الشكوى بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن (20000) عشرين ألف دينار ولا تزيد على (40000) أربعين ألف دينار كل من استخدم شبكة معلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو موقعا الكترونيا أو منصة تواصل اجتماعي لنشر تسجيل أو صورة أو فيديو لما يحرص الشخص على صونه وعدم اظهاره أو كتمانه عن العامة بقصد التشهير أو الإساءة أو الحصول على أية منفعة من جراء ذلك وإن كان قد حصل على تلك الصور أو التسجيلات أو الفيديوهات بصورة مشروعة.
ب-  يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن (25000) خمسة وعشرين ألف دينار ولا تزيد على (50000) خمسن ألف دينار كل من استخدم شبكة معلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو موقعا الكترونيا أو منصة تواصل اجتماعي لإجراء تركيب أو تعديل أو معالجة على تسجيل أو صورة أو مشهد أو فيديو لما يحرص الشخص على صونه وعدم اظهاره للعامة بقصد التشهير أو الإساءة أو الحصول على منفعة من جراء ذلك.
🔹 تحليل:
تشمل هذه المادة الأفعال التي تهدف إلى كشف أسرار جنسية أو معلومات حساسة عن الضحية دون إذنه، وتُعد شكلًا من أشكال هتك العرض 
​ويذهب الفقه الحديث إلى التأكيد على أن:
​"أفرزت الوسائل الإلكترونية نمطًا مستحدثًا للجرائم الجنسية، تُمارَس فيه الانتهاكات عن بُعد دون تماس جسدي، الأمر الذي يُحتّم مراجعة مستمرة للتشريعات، واعتماد مفاهيم حديثة وشاملة للحماية القانونية."

ثالثا: الديب فيك كأداة لهتك العرض الرقمي
مع التقدّم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ظهر ما يُعرف بـ "الديب فيك"، وهي تقنية تقوم بتوليد أو تعديل محتوى مرئي باستخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة تبدو واقعية تمامًا، مثل تركيب وجه الضحية على مقطع فيديو إباحي أو صورة فاضحة لم تكن له في الأصل.
هذه التقنية باتت تُستخدم في سياق الانتقام الرقمي، أو الابتزاز الجنسي، أو حتى الإساءة إلى السمعة، دون الحاجة لأي مواد حقيقية مسرّبة.
وهو ما يجعل الجريمة أكثر خبثًا، لأن الضحية قد يُصوَّر وكأنه شارك فعليًا في فعل فاضح لم يحدث، ما يُنتج أذى نفسيًا ومجتمعيًا بالغًا يصعب محوه.
ندعوك لقراءة مقالنا بعنوان ( الوجه المزيف ، كيف تقود تقنية الديب فيك العالم الى محاكم الجرائم الإلكترونية ) .

📍 قانونيًا:
لا يزال قانون الجرائم الإلكترونية الأردني لا يتعامل بشكل مباشر مع المحتوى المعدّل رقميًا (مثل الديب فيك)، ما يُصعّب أحيانًا ملاحقة الجاني ما لم يُكيّف الفعل تحت مواد مثل النشر التشهيري أو إنتاج محتوى إباحي بقصد الإضرار.
📍 فقهيًا:
يرى الفقه القانوني المعاصر أن:
​يُعد الديب فيك تجسيدًا رقميًا لجريمة هتك العرض، إذ لا يشترط لقيام الأثر القانوني وجود اعتداء فعلي، بل يكفي أن يؤدي المحتوى المفبرك إلى خدش حياء المجني عليه أو النيل من سمعته، مما يستدعي معالجة صريحة لهذه الأفعال ضمن النصوص العقابية الحديثة.

​📌 من الناحية التقنية، يصعب على غير المختصين التمييز بين الصور الحقيقية والمفبركة، مما يستدعي تعزيز قدرات جهات التحقيق الرقمي على تحليل بيانات الـ EXIF الوصفية أو تتبع خوارزميات التزوير للكشف عن أصل المادة الرقمية.

ختاما
إن جريمة هتك العرض الإلكتروني تُعد من أخطر صور الاعتداء على الكرامة الإنسانية في العصر الرقمي، حيث يتم استغلال الوسائل التقنية لانتهاك الخصوصية وجرح الحياء بعيدًا عن المواجهة المباشرة.
ويزداد وقع هذه الأفعال حين تُرتكب بصور خادعة أو مفبركة، مثل استخدام تقنيات الديب فيك، التي تطمس الحدود بين الحقيقة والزيف وتضاعف الأذى النفسي والاجتماعي الواقع على الضحايا.
هذه التحديات لا تفرض فقط الحاجة إلى وعي قانوني وتقني متزايد، بل تستدعي أيضًا مسؤولية مجتمعية في مناهضة هذا النوع من الجرائم، وتوفير بيئة آمنة تحترم الخصوصية وتدعم الضحايا.
ففي عالم أصبح فيه الانتهاك لا يحتاج إلى اقتراب، تصبح الحماية الأخلاقية والثقافية والتوعوية خط الدفاع الأول أمام اعتداءات لا تحمل سلاحًا، لكنها تخلف جروحًا عميقة.


​ لا تنتظر أن تتعقّد الأمور... استعن بمحامٍ مختص يحميك من أول خطوة.

النقاش 0

كن أول من يشارك رأيه في هذه القصة.